صيد الرؤوس بدأ.. إنزال كاراكاس ينهي زمن "الحصانة السيادية": هل وصلت الرسالة للخصوم؟
2026-01-03 20:35:38
عربيةDraw:
اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو بعمليّة إنزال نفّذتها قوّات أمريكيّة نخبة في قلب كاراكاس، لم يكن مجرّد مشهد درامي من أمريكا اللاتينيّة، بل تحوّل فورًا إلى رسالة سياسيّة ثقيلة وصلت أصداؤها إلى طهران وبغداد والمكسيك والبرازيل. في ظرف أيّام قليلة، تجمّعت إشارات متلاحقة: تهديدات مباشرة من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للنظام الإيراني إذا قمع المتظاهرين، تحريض معلن من بنيامين نتنياهو على استهداف المرشد علي خامنئي، تصعيد كلامي ضدّ العصابات في المكسيك، وتلويح مبعوث البيت الأبيض إلى العراق مارك سافايا بحزمة من 18 ملفًّا يجب أن تُحسم إذا أرادت بغداد علاقة مختلفة مع واشنطن. في قلب هذه اللوحة، يصبح سؤال العراق: كيف تُقرأ عملية اعتقال مادورو في ضوء هذه العقيدة الجديدة للقوّة الأمريكية؟
عمليّة تتجاوز فنزويلا.. قراءة أمنيّة لما جرى
يصف الخبير في الشؤون الأمنيّة صادق عبد الله ما حدث في كاراكاس بأنّه "واحدة من أخطر العمليّات التي نُفّذت في عمق عاصمة دولة ذات سيادة"، مشيرًا إلى أنّ نجاح فريق من قوّات النخبة الأمريكيّة المعروفة بـ"دلتا" في دخول العاصمة الفنزويليّة واعتقال رئيس البلاد وزوجته يؤكّد أنّنا أمام عمليّة خُطّط لها منذ أشهر، وليست تحرّكًا مفاجئًا أو ردّ فعل لحظي.
هذا التوصيف يضع اعتقال مادورو في سياق مختلف عن الانقلابات التقليديّة أو الضغوط الدبلوماسيّة؛ فتنفيذ إنزال لقوّة خاصّة داخل عاصمة، ثمّ إخراج رئيس الدولة إلى وجهة مجهولة، يحمل رسالة واضحة مفادها أنّ واشنطن لم تعد تكتفي بأدوات الضغط غير المباشرة عندما يتعلّق الأمر بأنظمة تُصنّفها ضمن دائرة "الخصوم".
ويضيف عبد الله، أنّ مثل هذه العمليّة "لا يمكن أن تنجح إلّا بوجود تسهيلات داخليّة أو على الأقلّ تغاضٍ متعمّد عن الاشتباك مع القوّة المهاجمة"، ما يعني أنّ جزءًا من النظام أو مؤسّساته إمّا اختار الصمت، أو فضّل انتظار ما ستسفر عنه العمليّة قبل حسم موقفه. هذه النقطة تهمّ العراق مباشرة، لأنّها تفتح باب الأسئلة حول ما يمكن أن يحدث عندما تتفكّك إرادة الدولة من الداخل، وتتشظّى مراكز القرار بين ولاءات واتجاهات متناقضة.
ويرى الخبير الأمني أنّ الصدمة التي أحدثتها العمليّة في العواصم الدوليّة لم تكن مرتبطة فقط بطبيعة الهدف، بل أيضًا بكون فنزويلا دولة تمتلك ثروات نفطيّة ومعادن نادرة، موضحًا أنّ اعتقال الرئيس "لا يعني بالضرورة سقوط النظام أو السيطرة على الدولة، لكنّه يعكس جوهر الاهتمام الأمريكي بالثروات وبتوجيه رسالة ردع في الوقت ذاته". ويصف ما جرى بـ"البلطجة السياسيّة وتجاوز صارخ لكلّ المواثيق والمعاهدات الدوليّة"، في إشارة إلى أنّ حدود استخدام القوّة باتت تُعاد رسمها عمليًّا بعيدًا عن لغة القانون الدولي التقليديّة.
من كاراكاس إلى طهران.. رسائل إلى الأنظمة التي تواجه الشارع
في الخلفيّة، تتحرّك إيران على خطّ موازٍ: احتجاجات داخليّة تتسع بفعل الأزمة الاقتصاديّة، وخطاب رسمي يصرّ على أنّ طهران لن ترضخ للضغوط، يقابله تهديد واضح من ترامب بأنّ الولايات المتحدة "لن تقف متفرّجة" إذا تعرّض المتظاهرون للقتل أو القمع الوحشي. هذه المعادلة تجعل من عمليّة مادورو نموذجًا يُلوَّح به ضمنيًّا: أيّ نظام يذهب بعيدًا في قمع الشارع قد يجد نفسه في مرمى أدوات أكثر خشونة، من عقوبات خانقة، إلى استهداف مباشر لرموزه.
في الوقت نفسه، يرفع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو سقف الخطاب إلى مستوى غير مسبوق، عندما يتحدّث صراحة عن إمكانيّة اغتيال المرشد علي خامنئي بوصفه "هدفًا مشروعًا" لإنهاء الصراع مع إيران. مثل هذا الكلام، حتى لو بقي في إطار الرسائل السياسيّة، يعكس حجم التغيير في قواعد اللعبة؛ إذ لم يَعُد استهداف رأس نظام معادٍ مجرّد فكرة هامشيّة في غرف مغلقة، بل موضوعًا يقال أمام وسائل الإعلام.
في هذا السياق، يصبح اعتقال مادورو بمثابة "درس عملي" لخصوم واشنطن: ليس بالضرورة أن تُحتلّ العواصم بالدبّابات؛ قد يكون إنزال محدود لقوّة خاصّة كافيًا لإخراج رأس النظام من المعادلة، أو على الأقلّ وضعه في دائرة الضغط القصوى، مع ترك البلاد في حالة فراغ مرتبك يبحث عن تسوية جديدة.
سافايا والملفّات الـ18.. الترجمة العراقيّة للرسالة الأمريكيّة
على الضفّة العراقيّة، يأتي هذا المشهد فيما لم يجفّ بعد حبر تهديدات مبعوث ترامب إلى بغداد، مارك سافايا، الذي تحدّث بوضوح عن أنّ عام 2026 يجب أن يكون عام "إنهاء السلاح المنفلت والميليشيات والفساد والتدخّلات الخارجيّة" في العراق، وربط بين استمرار الدعم الأمريكي وبين الاستجابة لحزمة من 18 ملفًّا حسّاسًا تمسّ الأمن والاقتصاد والسياسة.
إذا قُرئت عمليّة اعتقال مادورو في بغداد بعين القوى الشيعيّة الحاكمة، فإنّ الرسالة ستكون أقرب إلى الآتي: العراق ليس فنزويلا جغرافيًّا، لكنّ معيار واشنطن في التعامل مع الأنظمة "غير المتعاونة" يتغيّر، ومن يظنّ أنّ الولايات المتحدة اكتفت بدور المتفرّج بعد 2003 ربّما يخطئ في تقدير استعداد البيت الأبيض لاستخدام أدوات أكثر حدّة عندما يرى أنّ مصالحه مهدّدة.
هنا تكتسب جملة صادق عبد الله وزنًا إضافيًّا حين يؤكّد أنّ "الولايات المتحدة لا يمكن أن تحقّق أهدافها في فنزويلا دون وجود حكومة موالية لها"، متوقّعًا أنّ "الأيّام المقبلة ستحمل الكثير من التقلبات والارتدادات التي ستحدّد ما إذا كان خيار البيت الأبيض باعتقال الرئيس الفنزويلي سيصبّ في مصلحة أمريكا أم سيقود إلى نتائج عكسيّة". هذه القراءة يمكن إسقاطها مباشرة على العراق: واشنطن لا تريد فقط كبح الميليشيات، بل تبحث عن حكومة قادرة على ترجمة رؤيتها في ملفّات الأمن والطاقة والاقتصاد والتموضع الإقليمي، وإلّا فإنّ أدوات الضغط ستظلّ على الطاولة.
البرازيل والمكسيك.. ملامح عقيدة أوسع لا تستثني أحدًا
ما يزيد الصورة تعقيدًا هو أنّ فنزويلا ليست الملفّ الوحيد في أمريكا اللاتينيّة الذي يظهر في رادار ترامب. الرئيس البرازيلي الحالي يتبنّى خطًّا يساريًّا لا ينسجم مع رؤية ترامب، ويقف في أكثر من مرّة على الضفّة المقابلة في ملفات البيئة والاقتصاد والتحالفات الدوليّة. هذا التناقض يضع البرازيل في خانة "غير الصديق السياسي" وإن بقيت العلاقات الرسميّة قائمة، ويجعلها جزءًا من لوحة أوسع تستخدم فيها واشنطن الحدّ الأقصى من الضغط مع من تراهم خارج الاصطفاف المطلوب.
بالتوازي، لا يتردّد ترامب في التلويح باستخدام القوّة ضدّ عصابات المخدّرات في المكسيك، ملوّحًا بتصنيفها ككيانات إرهابيّة، وفتح الباب أمام ضربها داخل أراضٍ أجنبيّة إذا اقتضى الأمر. هذا الخطاب يكرّس فكرة أنّ الإدارة الأمريكيّة الحاليّة تتعامل مع الحدود الجغرافيّة بهامش أوسع من المرونة عندما يتعلّق الأمر بالخصوم، سواء كانوا أنظمة أو تنظيمات أو شبكات جريمة منظّمة.
ماذا يعني ذلك للعراق؟ خيارات في منطقة رماديّة
كلّ هذه السياقات تجعل من العراق جزءًا من اختبار أوسع لعقيدة القوّة الأمريكيّة في المرحلة المقبلة. فالبلد محشور بين محورين: واشنطن التي تلوّح بالملفّات الـ18 كشرط لأيّ شراكة، وطهران التي ترى في بغداد عمقًا استراتيجيًّا لا يمكن التفريط به، وتتعامل مع القوى الحليفة داخل العراق كخط دفاع متقدّم عن أمنها.
في هذه المنطقة الرماديّة، يصبح أمام العراق ثلاثة مسارات متداخلة أكثر من كونها بدائل منفصلة:
تحصين الجبهة الداخليّة عبر معالجة ملفّ السلاح المنفلت والاقتصاد الموازي والفساد بوصفها قضايا وطنيّة، لا استجابة قسرية لضغوط سافايا أو غيره.
إعادة صياغة العلاقة مع واشنطن على قاعدة المصالح المتبادلة، بحيث لا تتحوّل شروطها إلى صيغ إذعان، ولا تتحوّل في المقابل إلى شماعة لتعطيل أي إصلاح أو تحوّل بنيوي.
إدارة علاقة متوازنة مع طهران تضمن ألّا يكون العراق امتدادًا مباشرًا لصراعاتها، ولا ساحة مفتوحة لاستهدافها، مع الحفاظ على حدّ أدنى من استقلال القرار العراقي في القضايا الكبرى.
في الخلاصة، يذكّرنا صادق عبد الله بأنّ "ما حدث في فنزويلا لا يعني تلقائيًّا أنّ الولايات المتحدة حقّقت أهدافها هناك"، وأنّ ارتدادات هذه الخطوة قد تأتي عكسيّة على واشنطن نفسها. لكنّ الرسالة وصلت على أيّ حال: في عالم تُدار فيه الأزمات بالعقوبات والطائرات وقوّات النخبة، لا يستطيع العراق أن يبقى في منتصف الطريق إلى ما لا نهاية، من دون رؤية واضحة لكيفيّة حماية دولته من منطق "البلطجة السياسيّة" من الخارج، ومن تفكّك الإرادة الوطنيّة في الداخل.
تقرير: بغداد اليوم